د. محمد أيمن هيكل
د. محمد أيمن هيكل

استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع

| 8 نوفمبر 2026

الصرع: هل هو مسّ من الجن؟

1 دقائق قراءة
12 قراءة
مشاركة:
الصرع: هل هو مسّ من الجن؟
الحياة مع الصرع
تم نسخ رابط المقال

من الأفكار المنتشرة في بعض المجتمعات أن الصرع مسّ من الجنّ. فهل هو كذلك؟ هذا هو موضوع مقالنا اليوم.

ما هو الصرع فعلاً؟

الصرع مرض في الجهاز العصبي، يجعل الدماغ عرضة لنوبات متكررة. تحدث النوبة بسبب نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ، وقد تؤثر مؤقتاً في الحركة أو الإحساس أو الوعي. لا تؤدي كل النوبات إلى التشنّج والسقوط؛ فبعضها مجرد حالة شرود قصيرة، أو حركات متكررة بالفم واليدين، أو توقف عن الاستجابة، أو صعوبة في الكلام. وقد تبدأ النوبة بإحساس يسمى النسمة، مثل رائحة غريبة أو خوف مفاجئ أو شعور يصعد من المعدة. وقد يعقبها تعب أو نعاس أو التشويش الذهني. وذلك لأن أعراض النوبة تختلف حسب موضع حدوث النشاط الكهربائي غير الطبيعي في الدماغ.

لماذا يربط بعض الناس الصرع بالجن؟

إن فكرة المسّ ليست حكراً على المجتمعات العربية؛ فقد ظهرت تفسيرات مشابهة في مجتمعات كثيرة حول العالم، من تلبّس الأرواح إلى مسّ الشياطين. فقبل أن يكشف العلم أن النوبات تنتج عن نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ، كان من الطبيعي أن يبحث الناس عن أسباب غيبية، تفسر الحركات والأصوات المفاجئة التي لا يتذكرها المريض بعد انتهاء النوبة.

لكن التفسير الطبي له جذور قديمة أيضاً. فقد تناول أطباء مسلمون الصرع بوصفه مرضاً له أسباب جسدية؛ فربطه ابن سينا باضطراب في الدماغ، ووصف الرازي أعراض النوبات وطرق علاجها بحسب معرفة عصره. صحيح أن هذه التفسيرات ليست مطابقة لفهمنا الحديث، لكنها تُظهر أن النظر إلى الصرع كمرض ليس فكرة جديدة. اقرأ أيضاً عن خرافات وأوهام عن الصرع.

ماذا يقول الطب عن السبب والتشخيص؟

سبب الصرع نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ، يمكن تسجيله عن طريق تخطيط الدماغ الكهربائي. قد يكون سبب هذا النشاط الكهربائي عوامل وراثية، أو إصابة في الدماغ، أو سكتة دماغية، أو أسباب أخرى. وأحياناً لا يُعرف السبب رغم الفحوص. عدم العثور على سبب لا يعني وجود سبب غيبي. كثير من الحالات التي لم يُعرف لها سبب قبل بضعة عقود أصبح سببها واضحاً مع تطور الفحوص التشخيصية، لا سيما الرنين المغناطيسي والفحوص الوراثية. اقرأ عن أسباب الصرع.

يعتمد التشخيص على وصف الحدث، وفحص المريض، وقد يحتاج إلى تخطيط الدماغ الكهربائي وتصويره. التخطيط الطبيعي لا ينفي الصرع. كذلك ليست كل حالة فقدان وعي أو حركة غير معتادة صرعاً؛ فقد تكون إغماءً أو نوبات وظيفية تحتاج إلى تقييم وعلاج مختلفين، وليست تمثيلاً أو دليلاً على المسّ.

هل يمكن السيطرة على النوبات؟

نعم. يستجيب أغلب مرضى الصرع للعلاج الدوائي وتتوقف النوبات لديهم بشكل كامل عند أخذهم للدواء الصحيح والتزامهم به. في بعض الحالات، لا يمكن السيطرة على النوبات بالأدوية، ويمكن عند ذلك اللجوء إلى خيارات أخرى، منها الجراحة في بعض الحالات، أو أجهزة التحفيز الكهربائي، أو حمية علاجية بإشراف متخصص. استمرار النوبات لا يثبت وجود مسّ، بل يستدعي مراجعة التشخيص والخطة العلاجية. اقرأ عن الصرع المقاوم للأدوية.

هل يتعارض العلاج الطبي مع الإيمان والرقية؟

لا. الاهتمام بالجوانب الدينية والروحانية لا يتعارض مع العلاج الطبي، بل قد يدعمه ويساعد في تحسّن المريض. ومن الناحية الطبية، فإن الصلاة والدعاء والذكر والرقية الشرعية تمنح كثيراً من المرضى وأسرهم الطمأنينة والصبر والأمل، وتعينهم على تقبّل المرض والالتزام بالعلاج.

ومن المبادئ الراسخة في الإسلام «الأخذ بالأسباب»، أي أن يتوكّل الإنسان على الله، ويسعى في الوقت نفسه بالوسائل التي جعلها الله سبباً للشفاء. قال النبي ﷺ: «تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً» وقال لمن سأله أيترك ناقته ويتوكّل: «اعقلها وتوكّل». والأخذ بالأسباب في الصرع يعني الوصول إلى التشخيص الصحيح، وتناول الدواء المناسب والانتظام عليه، والمتابعة مع الطبيب. فالتداوي جزء من التوكّل، وليس نقيضاً له.

ونجد مثيل ذلك في التعاليم المسيحية أيضاً؛ ففي الكتاب المقدس دعوة إلى الصلاة عند المرض وإعطاء الطبيب مكانه، وفيه: «الرب خلق الأدوية من الأرض، والرجل الفطن لا يكرهها» (سفر يشوع بن سيراخ ٣٨). فطلب العون الروحي يمكن أن يرافق العلاج الطبي، لا أن يحلّ محلّه.

لذلك يجب ألا يكون الاهتمام بالجانب الروحي أبداً على حساب العلاج الدوائي. إذا اختارت الأسرة الرقية، فلتكن إلى جانب الدواء لا بديلاً عنه، ودون إيذاء أو تخويف أو ضغط على المريض.

ما مخاطر الاعتماد على العلاج الشعبي وحده؟

لا تتبع وصفات شعبية غير مثبتة علمياً قبل مشاورة الطبيب. الضرب والحرق والكيّ وربط الأطراف ليست علاجاً للصرع، وقد تسبب أذىً خطيراً. لا تسمح بها، ولا تثبّت جسم المريض لإيقاف التشنجات. أخبر طبيبك أيضاً بأي أعشاب أو خلطات أو مكمّلات غذائية تستخدمها؛ فبعضها قد يتداخل مع الدواء أو يزيد النوبات. علاج الصرع معروف ومثبت علمياً، وهو الدواء، إضافة إلى تداخلات أخرى كالجراحة أو أجهزة التحفيز الكهربائي عندما لا تكون هناك استجابة كافية للدواء.

إن تأخير العلاج الطبي قد يؤدي إلى استمرار النوبات وزيادة خطر السقوط والإصابة، وتعطيل الحياة اليومية والدراسة والعمل. كما أن استمرار النوبات دون علاج يرتبط باحتمال حدوث حالة نادرة جداً تُسمّى الموت المفاجئ غير المتوقع في الصرع (SUDEP)، وخطرها أكبر عند المرضى الذين يعانون من تشنجات معممة غير مسيطر عليها. المطمئن أن الالتزام بالعلاج والسيطرة على النوبات يقلّلان هذا الخطر بشكل كبير.

وإيقاف الدواء فجأة قد يسبب نوبات شديدة أو مطوّلة. فلا توقف الدواء من تلقاء نفسك، ولا تغيّر الجرعة بناءً على نصيحة غير طبية.

كيف نساعد المريض ونخفف الوصمة؟

المريض بحاجة إلى المشورة الصحيحة والدعم النفسي والتشجيع في رحلته العلاجية، وهذا واجب الأهل تجاهه. والخطوة الأولى الاعتماد على الحقائق العلمية في التشخيص والعلاج وفهم المرض. شجّعه على الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية مع احتياطات السلامة التي يوصي بها الطبيب. إن بعض مرضى الصرع يعانون من الاكتئاب والقلق، وهذه الأعراض جزء من المرض، وليست دليلاً على ضعف الإيمان. وبالنسبة للمرضى الذين يعانون هذه الأعراض، فإن الدعم النفسي جزء من العلاج، وليس عيباً. اقرأ عن الاكتئاب والقلق لدى مرضى الصرع.

متى تراجع الطبيب، وماذا تفعل أثناء النوبة؟

إن حدوث نوبة غياب عن الوعي أو تشنّج للمرة الأولى يستدعي تقييماً طبياً عاجلاً. دوّن ما حدث، وصوّر النوبة إن أمكن بأمان، دون تأخير المساعدة أو محاولة إثارتها. أثناء التشنّجات، أبعد الأشياء الخطرة عن المريض واحمِ رأسه. لا تضع شيئاً في الفم ولا تعطِ ماءً أو دواءً بالفم قبل استعادة الوعي تماماً. ضع المريض على جانبه عندما يمكن ذلك بأمان. اطلب الإسعاف إذا استمرت التشنجات خمس دقائق، أو تكررت دون إفاقة، أو كانت أول نوبة تشنجية، أو حدثت إصابة خطيرة أو صعوبة تنفس. راجع الإسعافات الأولية.

تذكّر

الصرع مرض يحتاج إلى تشخيص وعلاج، لا إلى لوم أو تخويف. الاهتمام بالجانب الروحي يدعم المريض، والأخذ بالأسباب يعني الالتزام بالعلاج الطبي دون تأخير أو انقطاع. إن كان أحدٌ من أقاربك أو أحبائك يعاني من الصرع، فتعلّم كيف تساعده، وتستمع إليه، وتفهم مرضه بشكل علمي.

هذا المقال للتوعية فقط، ولا يُغني عن الاستشارة الطبية. راجع طبيبك دائماً قبل أي تغيير في علاجك.

بقلم د. محمد أيمن هيكل، استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع · عن الكاتب

د. محمد أيمن هيكل
د. محمد أيمن هيكل

استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع

طبيب استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع في كليفلاند كلينك أبوظبي

عمل قبل ذلك مديراً لوحدة مراقبة الصرع في مستشفى ويليام بومُنت الجامعي وأستاذاً مساعداً في كلية ويليام بومُنت للطب بجامعة أوكلاند في ميشيغان بالولايات المتحدة.

المزيد عن الكاتب