د. أيمن هيكل
د. أيمن هيكل

استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع

| 26 أكتوبر 2026

الحالة الصرعية: عندما لا تتوقف النوبة

1 دقائق قراءة
5 قراءة
مشاركة:
الحالة الصرعية: عندما لا تتوقف النوبة
أنواع النوبات الصرعية
تم نسخ رابط المقال

تتوقف معظم النوبات المعممة (التوترية-الرمعية) من تلقاء نفسها خلال دقيقة إلى دقيقتين، ثم يبدأ المريض بالاستيقاظ تدريجياً. لكن النوبة أحياناً لا تتوقف، أو تنتهي لتبدأ نوبة أخرى قبل أن يستعيد المريض وعيه. هذه هي الحالة الصرعية (Status Epilepticus)، وتُسمّى أيضاً الحالة الصرعية المستمرة، وهي حالة إسعافية يجب السيطرة عليها بسرعة.

في الماضي، كان المصطلح يُطلق على النوبات التي تستمر ٣٠ دقيقة، لكن ذلك تغيّر لأننا نعرف اليوم أن النوبة التي تتجاوز ٥ دقائق يقلّ احتمال توقفها وحدها، وأنها كلما طالت صار إيقافها أصعب. لذلك نعتبر أي نوبة تستمر أكثر من ٥ دقائق حالة صرعية تستدعي العلاج الإسعافي.

وكذلك الحال في النوبات المتلاحقة. إذا حدثت نوبتان أو أكثر دون أن يعود المريض إلى وعيه الطبيعي بينهما، فهي تُعامل معاملة نوبة واحدة مستمرة، حتى لو بدت كل واحدة منها قصيرة. أما تكرار النوبات خلال اليوم مع استعادة الوعي بينها، وهو ما يُسمّى «النوبات العنقودية»، فليس حالة صرعية بالتعريف، لكنه يستدعي التواصل مع الطبيب، وقد يحتاج إلى الدواء الإسعافي نفسه أو الذهاب إلى الطوارئ.

حالة صرعية دون تشنجات

ليست كل حالة صرعية مشهداً من التشنجات. ففي الحالة الصرعية غير التشنجية (Non-convulsive Status Epilepticus) يستمر النشاط الكهربائي للنوبة داخل الدماغ، بينما يقتصر ما يراه الأهل على تشوّش وبطء في الاستجابة، أو تحديق وشرود، أو كلام غير مفهوم، أو سلوك لا يشبه صاحبه، وأحياناً رفّات خفيفة حول العينين أو الفم. وفي حالات نادرة، قد يستمر ذلك ساعات أو أياماً، فيُظنّ أنه تعب أو اضطراب نفسي أو أثر لأحد الأدوية.

يحدث هذا النوع أكثر لدى كبار السن والمرضى المقيمين في المستشفى، ولدى بعض المصابين بالصرع ممن لديهم نوبات غياب أو نوبات بؤرية مع ضعف الإدراك. أحياناً، قد تتوقف الحركات التشنجية بعد نوبة كبيرة أو بعد الدواء الإسعافي، لكن المريض لا يبدأ بالاستيقاظ كعادته، وقد يكون هذا مؤشراً على استمرار النوبة في الدماغ دون أن تظهر أعراضها بوضوح. ولا يمكن تأكيد هذا التشخيص إلا بتخطيط الدماغ الكهربائي (EEG). لذلك إذا بدا لك أن مريضاً بالصرع «ليس على طبيعته» لفترة أطول من المعتاد بعد النوبة، يجب إخبار الطبيب أو الاتصال بخدمات الطوارئ.

ما الذي يسبّبها؟

لدى من يعيش مع الصرع، السبب الأكثر شيوعاً هو انخفاض مستوى الدواء في الدم: نسيان جرعات، أو إيقاف الدواء فجأة، أو تقليله دون استشارة الطبيب، أو تقيؤ وإسهال يمنعان امتصاصه. ومن الأسباب الأخرى السهر وقلة النوم، والحمّى والالتهابات.

لكن الحالة الصرعية قد تكون، في حالات نادرة، أول نوبة في حياة الشخص. وعندها يبحث الطبيب عن سبب حادّ في الدماغ أو في الجسم، ومن أهم هذه الأسباب:

  • الجلطة الدماغية أو النزف الدماغي، وهي من أكثر الأسباب لدى كبار السن
  • إصابات الرأس
  • التهاب الدماغ أو السحايا
  • انخفاض السكر أو الصوديوم أو الكالسيوم في الدم، والفشل الكلوي أو الكبدي
  • الانقطاع المفاجئ عن الكحول أو عن بعض المهدئات، أو التسمم ببعض الأدوية والمواد
  • أورام الدماغ

أما عند الأطفال الصغار، فالحمّى هي السبب الأكثر شيوعاً، إذ تطول بعض التشنجات الحرارية (الحمّوية) فتتجاوز ٣٠ دقيقة، ويجب حينها التأكد من عدم وجود التهاب في الدماغ أو السحايا. وتكرار النوبات الحمّوية الطويلة في السنة الأولى للعمر يستدعي إجراء تقييم مفصّل من قبل طبيب الأعصاب.

إذا لم تتوقف النوبة

الخطوات الأولى هي نفسها خطوات الإسعافات الأولية لأي نوبة، والفرق هنا أن الساعة هي التي تحدد ما تفعله بعد ذلك.

  • انظر إلى الساعة فور بدء النوبة، فالدقائق أثناء النوبة تبدو أطول بكثير مما هي عليه
  • أنزل المريض إلى الأرض، وأبعد عنه ما قد يؤذيه، وضع شيئاً ليّناً تحت الرأس
  • أدر المريض على جانبه حين يمكن ذلك، ولا تضع شيئاً في فمه
  • إذا كان لديه دواء إسعافي موصوف، فأعطه في الوقت المحدد حسب تعليمات الطبيب، وهو في الغالب عند الدقيقة الخامسة
  • إذا لم يكن لديه دواء إسعافي، فاتصل بالإسعاف عند الدقيقة الخامسة. وإن كان لديه، فاتّبع خطته في موعد الاتصال، ولا تتردد في الاتصال إن لم تتوقف النوبة بعد الدواء أو كنت غير متأكد
  • إذا تلت النوبةَ نوبةٌ أخرى قبل أن يستعيد وعيه، فاتصل بالإسعاف دون انتظار
  • بعد توقف النوبة ضعه في وضعية الإفاقة وابقَ معه حتى يستعيد وعيه كاملاً. وإن توقفت الحركات ولم يبدأ بالاستيقاظ، أو كان تنفسه ضعيفاً أو بطيئاً، فاتصل أيضاً بالإسعاف

واتصل بالإسعاف فوراً إذا كانت هذه أول نوبة يتعرّض لها، أو أصيب في رأسه، أو حدثت النوبة في الماء، أو واجه صعوبة في التنفس، أو كانت المريضة حاملاً.

الدواء الإسعافي من مجموعة البنزوديازيبينات (Benzodiazepines)، ويُعطى دون حقن: الميدازولام (midazolam) بين اللثة والخدّ أو بخّاخاً في الأنف، أو الديازيبام (diazepam) بخّاخاً في الأنف أو عن طريق الشرج. توقف هذه الأدوية معظم النوبات خلال دقائق، ويحدد الطبيب جرعتها بحسب العمر والوزن، ولا تُكرَّر إلا إذا نصّت الخطة على ذلك. وأكثر آثارها الجانبية النعاس، ونادراً ضعف التنفس، لذلك يبقى المريض تحت المراقبة بعد إعطائها. ويجب عدم إعطاء الحبوب أو الشراب عن طريق الفم أثناء النوبة لأنها قد تسبب الاختناق.

في المستشفى

يبدأ العلاج غالباً قبل الوصول، إذ يعطي المسعفون جرعة من البنزوديازيبينات في الوريد أو العضل أو الأنف، ويقدّمون الأكسجين ويقيسون السكر. وفي الطوارئ يحافظ الفريق على التنفس والدورة الدموية، ويعطي جرعة ثانية من البنزوديازيبينات في الوريد إذا لم تتوقف النوبة.

إذا استمرت النوبة بعد جرعتين، يُعطى دواء مضاد للصرع في الوريد، مثل الليفيتيراسيتام (levetiracetam) أو الفينيتوئين (phenytoin) أو الفالبروات (valproate) أو اللاكوساميد (lacosamide).

وعند بعض المرضى لا تتوقف النوبة حتى بعد هاتين الخطوتين، ويطلق على ذلك تسمية الحالة الصرعية المعنّدة (Refractory Status Epilepticus). يُنقل المريض إلى العناية المركّزة، ويوضع على جهاز التنفس الاصطناعي، ويُعطى دواء تخدير مستمر، كالميدازولام أو البروبوفول (propofol) أو الكيتامين (ketamine). أي يتم إدخال الدماغ في نوم عميق باستخدام أدوية التخدير حتى تتوقف النوبة. ويُراقب الدماغ خلال ذلك بتخطيط كهربائي مستمر، لأن أعراض النوبات قد تختفي ظاهراً مع استمرارها كهربائياً. بعد ٢٤ إلى ٤٨ ساعة دون نوبات، يُخفَّف التخدير تدريجياً.

وفي الوقت نفسه يبحث الفريق عن السبب، من خلال تحاليل الدم وتصوير الدماغ، وأحياناً أخذ عيّنة من السائل المحيط بالدماغ والنخاع الشوكي إذا كان هناك احتمال لوجود التهاب. وعلاج السبب جزء أساسي من إيقاف النوبة.

بعد الخروج من المستشفى

يحتاج كثير من المرضى بضعة أيام حتى يعودوا إلى طبيعتهم. فالتعب والنعاس وضعف التركيز والذاكرة أعراض شائعة بعد النوبة الطويلة، وتتحسن عادةً بالتدريج. أما التعافي الكامل فيعتمد بشكل أساسي على السبب، ثم على المدة التي استمرت فيها النوبة.

إذا كانت الحالة الصرعية أول نوبة، فغالباً يبدأ المريض علاجاً مضاداً للصرع ويتابع لدى طبيب الأعصاب. وإذا كان مصاباً بالصرع من قبل، يتأكد الفريق الطبي من انتظام المريض على الدواء، وأي تغيير طرأ مؤخراً على نوع الدواء وجرعته، وأي أدوية جديدة قد تتداخل معه، وقد يتم تعديل العلاج بناءً على ذلك (راجع مقال الأدوية المضادة للصرع).

ومن حدثت لديه حالة صرعية مرة يكون أكثر عرضة لتكرارها، لذلك يحتاج إلى خطة إسعافية مكتوبة. اطلب من طبيبك أن تتضمن الخطة:

  • اسم الدواء الإسعافي وجرعته وطريقة إعطائه
  • توقيت إعطاء الدواء الإسعافي (بعد كم دقيقة من بداية النوبة أو النوبات)
  • هل يجوز إعطاء جرعة ثانية، ومتى
  • متى يجب الاتصال بالإسعاف
  • كم يستغرق المريض حتى يعود إلى وعيه الكامل بعد النوبة

احتفظ بنسخة من الخطة مع الدواء، وأعطِ نسخة للأهل أو للمدرسة أو مكان العمل، وتأكد أنهم تدرّبوا على استعمال الدواء قبل أن يحتاجوا إليه. وراجع تاريخ صلاحيته، وخذه معك في السفر.

المعلومات الواردة في هذا المقال لأغراض تثقيفية فقط، ولا تُغني عن استشارة الطبيب. في حالات الطوارئ، اتصل بالإسعاف فوراً.

د. أيمن هيكل
د. أيمن هيكل

استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع

طبيب استشاري مختص بطب الأعصاب والصرع في كليفلاند كلينك أبوظبي

عمل قبل ذلك مديراً لوحدة مراقبة الصرع في مستشفى ويليام بومُنت الجامعي وأستاذاً مساعداً في كلية ويليام بومُنت للطب بجامعة أوكلاند في ميشيغان بالولايات المتحدة.

المزيد عن الكاتب